مُقَدِّمَةٌ
إِنَّ الحَمدَ لِلَّهِ، نَحمَدُهُ، وَنَستَعِينُهُ، وَنَستَغفِرُهُ، وَنَستَهدِيهِ، وَنَشكُرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا، وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا، مَن يَهدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا مَثِيلَ، وَلَا ضِدَّ، وَلَا نِدَّ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَعَظِيمَنَا وَقَائِدَنَا وَقُرَّةَ أَعيُنِنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ وَحَبِيبُهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ، هَادِيًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الأُمَّةَ، فَجَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا خَيرَ مَا جَزَى نَبِيًّا مِن أَنبِيَائِهِ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى جَمِيعِ إِخوَانِهِ النَّبِيِّينَ وَالمُرسَلِينَ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَإِنَّ مِن أَعظَمِ مَا أَوصَى بِهِ الإِسلَامُ، وَأَكَّدَ عَلَيهِ فِي نُصُوصِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: بِرَّ الوَالِدَينِ عُمُومًا، وَبِرَّ الأُمِّ عَلَى وَجهِ الخُصُوصِ؛ لِمَا لَهَا مِن عَظِيمِ الحَقِّ، وَكَثِيرِ الفَضلِ، وَجَلِيلِ العَنَاءِ فِي الحَملِ، وَالوِلادَةِ، وَالإِرضَاعِ، وَالتَّربِيَةِ، وَالسَّهَرِ، وَالرِّعَايَةِ. وَمِن هُنَا يَتَبَيَّنُ بُطلَانُ مَا أَحدَثَهُ بَعضُ النَّاسِ مِن تَخصِيصِ يَومٍ وَاحِدٍ فِي السَّنَةِ لِلأُمِّ، يُسمُّونَهُ «عِيدَ الأُمِّ»، مَعَ أَنَّ الشَّرعَ أَمَرَ بِبِرِّهَا فِي كُلِّ يَومٍ، بَل فِي كُلِّ حِينٍ وَلَحظَةٍ، وَلَم يَجعَل لِحَقِّهَا مَوسِمًا يَنقَطِعُ بَعدَهُ الإِحسَانُ.
عِظَمُ مَكَانَةِ بِرِّ الوَالِدَينِ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَينِ إِحسَانًا إِمَّا يَبلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَو كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنهَرهُمَا وَقُل لَهُمَا قَولًا كَرِيمًا وَاخفِض لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحمَةِ وَقُل رَبِّ ارحَمهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (23-24)﴾ [الإسراء: 23-24].
فِي هٰذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ أَمرًا مَقطُوعًا بِهِ أَن لَا يَعبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، ثُمَّ قَرَنَ بِهٰذَا الأَمرِ العَظِيمِ الأَمرَ بِالإِحسَانِ إِلَى الوَالِدَينِ، وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى جَلَالَةِ حَقِّهِمَا، وَعِظَمِ مَنزِلَتِهِمَا. وَالإِحسَانُ إِلَيهِمَا هُوَ البِرُّ وَالإِكرَامُ، وَحُسنُ المُعَامَلَةِ، وَالتَّوَاضُعُ، وَالخِدمَةُ، وَالإِنفَاقُ، وَتَركُ كُلِّ مَا يُؤذِيهِمَا.
وَقَد قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا: «لَا تَنفُض ثَوبَكَ فَيُصِيبَهُمَا الغُبَارُ». وَقَالَ عُروَةُ: «لَا تَمتَنِع عَن شَيءٍ أَحَبَّاهُ». فَهٰذَا مِن دَقِيقِ الفِقهِ فِي مَعنَى البِرِّ، فَإِنَّ البِرَّ لَيسَ مُجرَّدَ أَلفَاظٍ تُقَالُ، بَل هُوَ أَدَبٌ شَامِلٌ، وَرِقَّةُ طَبعٍ، وَحُسنُ مُرَاعَاةٍ، وَتَفَقُّدٌ لِمَا يَسُرُّهُمَا وَيُرضِيهِمَا.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]، فِيهِ نَهيٌ صَرِيحٌ عَن أَدنَى كَلِمَةٍ تَدُلُّ عَلَى التَّضَجُّرِ وَالتَّبَرُّمِ. وَ«أُفٍّ» صَوتٌ يَدُلُّ عَلَى الضِّيقِ وَالسَّآمَةِ، فَإِذَا كَانَ الشَّرعُ قَد مَنَعَ مِن هٰذِهِ الكَلِمَةِ اليَسِيرَةِ، فَكَيفَ بِمَا هُوَ أَعظَمُ مِن ذٰلِكَ، كَالصِّيَاحِ، وَالسَّبِّ، وَالشَّتمِ، وَالإِهَانَةِ، وَالضَّربِ، وَالإِذلَالِ؟ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العُقُوقِ وَأَهلِهِ.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَنهَرهُمَا وَقُل لَهُمَا قَولًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23]، أَي لَا تَزجُرهُمَا، وَلَا تَرفَع صَوتَكَ عَلَيهِمَا، وَلَا تُخَاطِبهُمَا بِغِلظَةٍ وَجَفَاءٍ، بَل خَاطِبهُمَا بِاللِّينِ، وَالرِّفقِ، وَأَحسَنِ العِبَارَاتِ، مِمَّا يَقتَضِيهِ حُسنُ الأَدَبِ، وَصِدقُ البِرِّ، وَكَمَالُ الإِكرَامِ.
وَقَولُهُ سُبحَانَهُ: ﴿وَاخفِض لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحمَةِ﴾ [الإسراء: 24]، أَي أَلِن لَهُمَا جَانِبَكَ، وَتَوَاضَع لَهُمَا، وَكُن لَيِّنَ الجَانِبِ، مُتَذَلِّلًا لَهُمَا مِن فَرطِ رَحمَتِكَ بِهِمَا، وَعَطفِكَ عَلَيهِمَا. وَتَذَكَّر أَنَّكَ بِالأَمسِ كُنتَ فِي صِغَرِكَ أَفقَرَ خَلقِ اللَّهِ إِلَيهِمَا؛ مَنِ الَّذِي أَزَالَ عَنكَ النَّجَاسَةَ؟ مَنِ الَّذِي سَهِرَ اللَّيَالِيَ لِأَجلِ صِحَّتِكَ؟ مَنِ الَّذِي حَمَلَ هَمَّكَ وَأَنتَ لَا تَشعُرُ؟ إِنَّهُمَا الوَالِدَانِ، وَفِي مُقَدَّمَتِهِمَا الأُمُّ.
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُل رَبِّ ارحَمهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24]، فِيهِ حَثٌّ عَلَى الدُّعَاءِ لَهُمَا بِالرَّحمَةِ البَاقِيَةِ، جَزَاءً عَلَى رَحمَتِهِمَا بِوَلَدِهِمَا فِي صِغَرِهِ، وَتَربِيَتِهِمَا لَهُ فِي ضَعفِهِ وَحَاجَتِهِ. وَالدُّعَاءُ لِلأَبَوَينِ المُسلِمَينِ مِن أَعظَمِ أَبوَابِ البِرِّ، فِي حَيَاتِهِمَا وَبَعدَ مَمَاتِهِمَا.
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخَذنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسرَائِيلَ لَا تَعبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالوَالِدَينِ إِحسَانًا (83)﴾ [البقرة: 83].
وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَاعبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالوَالِدَينِ إِحسَانًا (36)﴾ [النساء: 36].
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُل تَعَالَوا أَتلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُم عَلَيكُم أَلَّا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالوَالِدَينِ إِحسَانًا (151)﴾ [الأنعام: 151].
فَتَكرارُ الأَمرِ بِالإِحسَانِ إِلَى الوَالِدَينِ فِي مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّ بِرَّهُمَا مِن أَجَلِّ الوَاجِبَاتِ، وَأَنَّ العِنَايَةَ بِهِمَا لَيسَت أَمرًا تَطَوُّعِيًّا هَيِّنًا، بَل هِيَ مِن أَصلِ الدِّينِ، وَمِن أَسبابِ الفَوزِ بِرِضوَانِ رَبِّ العَالَمِينَ.
الأَحَادِيثُ الوَارِدَةُ فِي فَضلِ بِرِّ الوَالِدَينِ وَتَقدِيمِ الأُمِّ
رَوَى مُسلِمٌ عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: «أَيُّ العَمَلِ أَفضَلُ؟» أَي بَعدَ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ: «الصَّلَاةُ لِوَقتِهَا»، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «بِرُّ الوَالِدَينِ». فَهٰذَا الحَدِيثُ يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ بِرَّ الوَالِدَينِ مِن أَفضَلِ الأَعمَالِ وَأَعظَمِهَا أَجرًا عِندَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَرَوَى مُسلِمٌ أَيضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رَغِمَ أَنفُ مَن أَدرَكَ أَبَوَيهِ عِندَ الكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَو كِلَيهِمَا فَلَم يَدخُلِ الجَنَّةَ». وَمَعنَى «رَغِمَ أَنفُهُ»: ذَلَّ وَخَسِرَ، وَأَصلُهُ أَن يَلصَقَ أَنفُهُ بِالتُّرَابِ. وَالمَعنَى أَنَّ بِرَّ الوَالِدَينِ عِندَ كِبَرِهِمَا وَضَعفِهِمَا، بِالخِدمَةِ، وَالنَّفَقَةِ، وَحُسنِ الرِّفقِ، وَسِعَةِ الصَّبرِ، مِن أَعظَمِ أَسبَابِ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَمَن فَرَّطَ فِي هٰذَا البَابِ فَقَد خَسِرَ خُسرَانًا كَبِيرًا.
وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «مَن أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسنِ صَحَابَتِي؟» قَالَ ﷺ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: «أَبُوكَ». فَيُفهَمُ مِن هٰذَا الحَدِيثِ تَقدِيمُ الأُمِّ عَلَى الأَبِ فِي البِرِّ، وَأَنَّ حَقَّهَا أَعظَمُ؛ لِمَا تَحمَّلَتهُ مِن عَنَاءٍ، وَمَا قَاسَتهُ مِن مَشَقَّةٍ، وَمَا بَذَلَتهُ مِن رَحمَةٍ وَرِعَايَةٍ.
وَعَن بَهزِ بنِ حَكِيمٍ، عَن أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُم قَالَ: قُلتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَن أَبَرُّ؟» قَالَ: «أُمَّكَ»، قُلتُ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: «أُمَّكَ»، قُلتُ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: «أُمَّكَ»، قُلتُ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: «أَبَاكَ، ثُمَّ الأَقرَبَ فَالأَقرَبَ». فَهٰذَا أَيضًا نَصٌّ فِي تَقدِيمِ الأُمِّ فِي البِرِّ وَالإِكرَامِ.
وَقَد وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ مِن حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَعظَمُ النَّاسِ حَقًّا عَلَى المَرأَةِ زَوجُهَا، وَأَعظَمُ النَّاسِ حَقًّا عَلَى الرَّجُلِ أُمُّهُ». وَفِي هٰذَا بَيَانٌ لِعِظَمِ حَقِّ الأُمِّ عَلَى وَلَدِهَا، وَخُصُوصًا عَلَى الرَّجُلِ.
وَرَوَى الحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالبَيهَقِيُّ مَرفُوعًا: «رِضَا اللَّهِ فِي رِضَا الوَالِدَينِ، وَسَخَطُهُ فِي سَخَطِهِمَا». فَمَنِ التَمَسَ رِضَا اللَّهِ فَليَلتَمِسهُ فِي بِرِّ وَالِدَيهِ، وَمَن تَسَاهَلَ فِي إِغضَابِهِمَا فَليَعلَم أَنَّهُ يُعَرِّضُ نَفسَهُ لِسَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِن أَبَرِّ البِرِّ أَن يَبَرَّ الرَّجُلُ أَهلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعدَ أَن يُوَلِّيَ». أَي بَعدَ أَن يَمُوتَ. وَهٰذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ البِرَّ لَا يَنقَطِعُ بِالمَوتِ، بَل يَبقَى بَابُهُ مَفتُوحًا بِالدُّعَاءِ، وَالاستِغفَارِ، وَالصَّدَقَةِ، وَصِلَةِ أَهلِ وُدِّهِمَا، وَزِيَارَةِ مَن كَانَا يُحِبَّانِهِم.
الأُمُّ أَعظَمُ النَّاسِ حَقًّا عَلَى وَلَدِهَا
إِنَّ بِرَّ الأُمَّهَاتِ أَعظَمُ ثَوَابًا مِن بِرِّ الآبَاءِ؛ لِعَظِيمِ فَضلِ الأُمِّ، وَمَا تَحَمَّلَتهُ، وَمَا قَدَّمَتهُ لِوَلَدِهَا فِي سَبِيلِ تَربِيَتِهِ. فَهِيَ الَّتِي حَمَلَتهُ فِي بَطنِهَا شُهُورًا، وَهِيَ الَّتِي تَأَلَّمَت عِندَ وِلادَتِهِ، وَهِيَ الَّتِي أَرضَعَتهُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ، وَهِيَ الَّتِي سَهِرَت لِرَاحَتِهِ، وَهِيَ الَّتِي رَعَتهُ فِي ضَعفِهِ، وَصَبَرَت عَلَى تَعَبِهِ، وَأَحاطَتهُ بِرَحمَتِهَا، وَغَمَرَتهُ بِحَنَانِهَا.
وَلِهٰذَا كُلِّهِ جَاءَ تَكرَارُ الأَمرِ بِبِرِّهَا، وَتَقدِيمُهَا فِي الحَقِّ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ. وَقَد قِيلَ فِي شَأنِهَا:
الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذَا أَعدَدتَهَا أَعدَدتَ شَعبًا طَيِّبَ الأَعراقِ
فَالأُمُّ أَصلُ البِنَاءِ، وَهِيَ صَانِعَةُ الأَجيَالِ، وَمِنهَا يَخرُجُ إِلَى المُجتَمَعِ القَادَةُ، وَالعُلَمَاءُ، وَالوُزَرَاءُ، وَالصَّالِحُونَ، وَالصَّالِحَاتُ، وَالأَزوَاجُ، وَالأُمَّهَاتُ.
وَقَد رُوِيَ أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا رَأَى رَجُلًا يَحمِلُ أُمَّهُ عَلَى ظَهرِهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِهَا حَولَ الكَعبَةِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَتُرَانِي وَفَّيتُهَا حَقَّهَا؟ فَقَالَ ابنُ عُمَرَ: لَا، وَلَا بِطَلقَةٍ وَاحِدَةٍ مِن طَلقَاتِهَا، وَلٰكِنَّكَ أَحسَنتَ، وَاللَّهُ يُثِيبُكَ عَلَى القَلِيلِ كَثِيرًا. فَتَذَكَّر أَيُّهَا الِابنُ أَنَّكَ لَن تُوَفِّيَ حَقَّ أُمِّكَ وَلَو بِطَلقَةٍ وَاحِدَةٍ مِن آلَامِ الوِلادَةِ.
بِرُّ الوَالِدَينِ فِي الأَفعَالِ اليَومِيَّةِ وَالتَّصرُّفَاتِ المُعتَادَةِ
إِنَّ بِرَّ الوَالِدَينِ لَا يَقتَصِرُ عَلَى الكَلِمَاتِ الجَمِيلَةِ وَحسبُ، بَل يَدخُلُ فِيهِ كُلُّ مَا يُدخِلُ عَلَيهِمَا الرَّاحَةَ وَالسُّرُورَ، وَيَدفَعُ عَنهُمَا الأَذَى وَالمَشَقَّةَ. فَمِن بِرِّهِمَا: الإِحسَانُ إِلَيهِمَا بِالمَالِ، وَالخِدمَةِ، وَالزِّيَارَةِ، وَقَضَاءِ الحَوَائِجِ، وَتَفقُّدِ أَحوَالِهِمَا، وَرِعَايَةِ مَشَاعِرِهِمَا.
وَمِن هٰذَا البَابِ: أَنَّهُ لَو طَلَبَ أَحَدُ الوَالِدَينِ مِن وَلَدِهِ شَيئًا مُبَاحًا، كَتَرتِيبِ المَكَانِ، أَو غَسلِ الصُّحُونِ، أَو تَسخِينِ الطَّعَامِ، أَو عَمَلِ الشَّايِ، أَو مَا أَشبَهَ ذٰلِكَ، وَكَانَ يَغتَمُّ قَلبُهُ إِن لَم يُطِعهُ فِي ذٰلِكَ، حَرُمَ عَلَى الوَلَدِ أَن يَمتَنِعَ؛ لِأَنَّ فِي امتِنَاعِهِ إِيذَاءً لِوَالِدِهِ أَو وَالِدَتِهِ، وَالإِيذَاءُ مِنَ العُقُوقِ.
أَمَّا إِن لَم يَكُن فِي تَركِ ذٰلِكَ غَمٌّ وَلَا أَذًى بَيِّنٌ، فَلَا يَكُونُ التَّركُ مُحَرَّمًا مِن هٰذِهِ الجِهَةِ، غَيرَ أَنَّ مِن كَمَالِ البِرِّ، وَحُسنِ الخُلُقِ، وَطِيبِ العِشرَةِ، أَن يُسَارِعَ الوَلَدُ إِلَى طَاعَتِهِمَا فِي كُلِّ مَا لَا مَعصِيَةَ فِيهِ.
وَقَد نَصَّ بَعضُ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الوَلَدِ أَن يُطِيعَ وَالِدَيهِ فِي كُلِّ أَمرٍ يَحصُلُ لَهُمَا غَمٌّ بِسَبَبِ تَركِهِ، مِمَّا لَيسَ فِيهِ مَعصِيَةٌ لِلَّهِ. وَأَمَّا مَا لَا يَحصُلُ لَهُمَا غَمٌّ بِسَبَبِ تَركِهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيهِ طَاعَتُهُمَا فِيهِ وُجُوبًا، وَلٰكِن يَبقَى البِرُّ مَطلُوبًا، وَالفَضلُ فِي المُبَادَرَةِ إِلَى مَا يُحِبَّانِهِ.
وَمِن هٰذَا أَيضًا: أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ الوَلَدُ السَّفَرَ فِي غَيرِ ضَرُورَةٍ، وَكَانَ أَبَوَاهُ يَغتَمَّانِ بِسَفَرِهِ غَمًّا شَدِيدًا، وَجَبَ عَلَيهِ أَن يَترُكَ ذٰلِكَ السَّفَرَ. وَإِذَا مَنَعَهُ أَبُوهُ مِنَ الخُرُوجِ مِنَ البَيتِ دُونَ إِذنِهِ، وَكَانَ خُرُوجُهُ يُسَبِّبُ لِلأَبِ أَلَمًا شَدِيدًا وَغَمًّا بَيِّنًا، لَم يَجُز لَهُ أَن يَخرُجَ دُونَ إِذنِهِ.
وَمِن كَمَالِ البِرِّ: أَن يَحتَمِلَ الوَلَدُ مَا يَصدُرُ مِن وَالِدَيهِ فِي كِبَرِهِمَا مِن بَعضِ المَشَقَّةِ أَو تَكرَارِ الطَّلَبِ، وَأَلَّا يَضِيقَ صَدرُهُ بِذٰلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا حِينَ كَانَ فِي صِغَرِهِ، لَم يَضِيقَا بِضَعفِهِ، وَلَا بِكَثرَةِ حَاجَاتِهِ، بَل صَبَرَا عَلَيهِ، وَرَحِمَاهُ، وَأَحسَنَا إِلَيهِ.
وَمِن عَظيمِ أَدَبِ السَّلَفِ فِي بِرِّ أُمَّهَاتِهِم: أَنَّ بَعضَهُم كَانَ لَا يَأكُلُ مَعَ أُمِّهِ فِي صَحنٍ وَاحِدٍ؛ خَشيَةَ أَن تَقَعَ عَينُهَا عَلَى طَعامٍ فَيَسبِقَهَا إِلَيهِ، فَيَكونَ فِي ذٰلِكَ نَوعٌ مِن سُوءِ الأَدَبِ مَعَهَا.
البِرُّ بَعدَ مَوتِ الوَالِدَينِ
لَا يَنقَطِعُ بِرُّ الوَالِدَينِ بِمَوتِهِمَا، بَل يَبقَى بَابُهُ مَفتُوحًا لِمَن وَفَّقَهُ اللَّهُ. فَمِن بِرِّهِمَا بَعدَ المَوتِ: الدُّعَاءُ لَهُمَا، وَالاستِغفَارُ لَهُمَا، وَالصَّدَقَةُ عَنهُمَا، وَزِيَارَةُ مَن كَانَا يُحِبَّانِهِ، وَالإِحسَانُ إِلَى مَن كَانَ لَهُمَا بِهِ صِلَةٌ وَمَوَدَّةٌ.
وَقَد قَالَ بَعضُ العُلَمَاءِ بِوُجُوبِ الِاستِغفَارِ لِلأَبَوَينِ المُسلِمَينِ فِي العُمُرِ مَرَّةً، ثُمَّ الزِّيَادَةُ عَلَى ذٰلِكَ قُربَةٌ عَظِيمَةٌ. وَلَيسَ شَرطًا أَن يَكُونَ هٰذَا الِاستِغفَارُ بَعدَ وَفَاتِهِمَا، بَل يَنفَعُهُمَا فِي الحَيَاةِ وَبَعدَ المَمَاتِ. وَإِذَا استَغفَرَ الوَلَدُ لِوَالِدَيهِ بَعدَ مَوتِهِمَا، نَفَعَهُمَا اللَّهُ بِذٰلِكَ نَفعًا عَظِيمًا، وَأَلحَقَ بِهِمَا ثَوَابًا كَبِيرًا.
وَمِن أَبَرِّ البِرِّ أَيضًا: أَن يَصِلَ الوَلَدُ مَن كَانَ أَبُوهُ يُحِبُّهُ بَعدَ وَفَاتِهِ، وَكَذٰلِكَ مَن كَانَت أُمُّهُ تُحِبُّهُ بَعدَ وَفَاتِهَا، فَيَزُورُهُم، وَيُحسِنُ إِلَيهِم، وَيَحفَظُ وُدَّ الوَالِدَينِ فِيهِم.
ضَابِطُ العُقُوقِ وَصُوَرُهُ
مِن مَعَاصِي البَدَنِ الَّتِي هِيَ مِنَ الكَبَائِرِ: عُقُوقُ الوَالِدَينِ أَو أَحَدِهِمَا، وَإِن عَلَوَا، وَلَو مَعَ وُجُودِ أَقرَبَ مِنهُ. وَقَد قَالَ بَعضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي ضَبطِهِ: هُوَ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الوَالِدَانِ أَو أَحَدُهُمَا تَأَذِّيًا لَيسَ بِالهَيِّنِ فِي العُرفِ. فَكُلُّ مَا أَدخَلَ عَلَيهِمَا أَذًى شَدِيدًا، أَو غَمًّا بَيِّنًا، أَو حُزنًا مُؤثِّرًا، كَانَ مِن بَابِ العُقُوقِ.
وَمِن صُوَرِ العُقُوقِ: سَبُّهُمَا، أَو شَتمُهُمَا، أَو رَفعُ الصَّوتِ عَلَيهِمَا، أَو إِهانَتُهُمَا، أَو ضَربُهُمَا، أَو تَركُ النَّفَقَةِ الوَاجِبَةِ عَلَيهِمَا إِذَا كَانَا فَقِيرَينِ مُحتَاجَينِ. فَإِن كَانَا مُكتَفِيَينِ لَم تَجِبِ النَّفَقَةُ عَلَيهِمَا مِن هٰذِهِ الجِهَةِ، غَيرَ أَنَّ الإِنفَاقَ عَلَيهِمَا مِن بَابِ البِرِّ وَالإِحسَانِ وَفَعلِ الخَيرِ.
وَقَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدخُلُونَ الجَنَّةَ: العَاقُّ لِوَالِدَيهِ، وَالدَّيُّوثُ، وَرَجُلَةُ النِّسَاءِ». وَمَعنَى ذٰلِكَ: أَنَّهُم لَا يَدخُلُونَهَا مَعَ الأَوَّلِينَ إِن لَم يَتُوبُوا، أَو لِمَا يَستَحِقُّونَهُ مِن سَابِقِ العَذَابِ إِلَّا أَن يَعفُوَ اللَّهُ عَنهُم.
وَقَالَ ﷺ: «مِنَ الكَبَائِرِ شَتمُ الرَّجُلِ وَالِدَيهِ». فَقِيلَ: وَهَل يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيهِ؟ قَالَ: «نَعَم، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ». فَفِي هٰذَا تَنبِيهٌ إِلَى أَنَّ التَّسَبُّبَ فِي شَتمِ الوَالِدَينِ كَشَتمِهِمَا مُبَاشَرَةً.
وَرَوَى الحَاكِمُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ الذُّنُوبِ يُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنهَا مَا شَاءَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ إِلَّا عُقُوقَ الوَالِدَينِ، فَإِنَّهُ يُعَجِّلُ لِصَاحِبِهِ». أَي إِنَّ عُقُوبَتَهُ قَد تُعَجَّلُ لِصَاحِبِهِ فِي الدُّنيَا قَبلَ الآخِرَةِ؛ لِعِظَمِ جُرمِهِ، وَشَنَاعَةِ أَثرِهِ.
وَقَالَ ﷺ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُستَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعوَةُ المَظلُومِ، وَدَعوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعوَةُ الوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ». وَالمَعنَى: إِذَا دَعَا عَلَيهِ بِحَقٍّ، أَمَّا إِذَا دَعَا عَلَيهِ بِغَيرِ حَقٍّ فَلَا يَضُرُّهُ ذٰلِكَ. وَفِي هٰذَا تَخوِيفٌ عَظِيمٌ لِلعَاقِّ، وَتَحذِيرٌ شَدِيدٌ مِن إِغضَابِ الوَالِدَينِ، وَجَرِّهِمَا إِلَى الدُّعَاءِ عَلَى وَلَدِهِمَا.
طَاعَةُ الوَالِدَينِ فِيمَا لَا مَعصِيَةَ فِيهِ
قَد حَضَّ الإِسلَامُ الوَلَدَ عَلَى طَاعَةِ وَالِدَيهِ فِيمَا لَا مَعصِيَةَ فِيهِ، وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلمُسلِمِ الَّذِي يُطِيعُ وَالِدَيهِ فِيمَا لَا مَعصِيَةَ فِيهِ أَجرًا عَظِيمًا فِي الآخِرَةِ. فَمَن أَرَادَ النَّجَاحَ وَالفَلَاحَ فَليَبَرَّ أَبَوَيهِ، فَإِنَّ بِرَّ الوَالِدَينِ بَرَكَةٌ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ.
وَقَد قَالَ الفُقَهَاءُ: إِذَا أَمَرَ أَحَدُ الوَالِدَينِ الوَلَدَ بِفِعلِ مُبَاحٍ أَو تَركِهِ، وَكَانَ يَغتَمُّ قَلبُ الوَالِدِ أَو الوَالِدَةِ إِن خَالَفَهُمَا، وَجَبَ عَلَيهِ أَن يُطِيعَهُمَا فِي ذٰلِكَ. وَهٰذَا مِن دِقَّةِ الشَّرعِ فِي حِفظِ القُلُوبِ، وَرِعَايَةِ الحُقُوقِ، وَتَأدِيبِ الأَبنَاءِ عَلَى حُسنِ الصُّحبَةِ.
وَقَالَ أَهلُ العِلمِ: مِن حَيثُ المَشرُوعِيَّةِ يُطِيعُ الوَلَدُ وَالِدَيهِ فِي المُبَاحِ وَالمَكرُوهِ، لٰكِن لَيسَ المَعنَى وُجُوبَ الطَّاعَةِ فِي كُلِّ جُزئِيَّةٍ دُونَ تَفصِيلٍ، بَل الضَّابِطُ مَا ذُكِرَ مِن حُصُولِ الغَمِّ وَالأَذَى عِندَ المُخَالَفَةِ، مِمَّا لَا مَعصِيَةَ فِيهِ.
وَقَد ذَكَرَ الفُقَهَاءُ مَسَائِلَ تَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الِاعتِنَاءِ بِبِرِّ الوَالِدَينِ، فَقَالُوا: لَو أَمَرَ أَحَدُ الوَالِدَينِ وَلَدَهُ بِفِعلِ أَمرٍ فِيهِ شُبهَةٌ، لَا حَرَامٌ مُؤَكَّدٌ، فَفَعَلَهُ لِأَجلِ خَاطِرِهِمَا، كَانَ ذٰلِكَ مِن بَابِ مُرَاعَاةِ حُرمَتِهِمَا وَحَقِّهِمَا، مَعَ مَا ذَكَرُوهُ مِن التَّخَلُّصِ مِمَّا لَا يَليقُ بَعدَ ذٰلِكَ. وَالمَقصُودُ مِن هٰذَا كُلِّهِ: بَيَانُ عِظَمِ مَكَانَةِ الوَالِدَينِ، وَأَنَّ حُقُوقَهُمَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى كَثِيرٍ مِن حُظُوظِ النَّفسِ وَرَاحَاتِهَا.
بُطلَانُ مَا يُسَمَّى بِعِيدِ الأُمِّ وَمُخَالَفَتُهُ لِهَديِ الشَّرعِ
إِنَّ الإِسلَامَ غَنِيٌّ عَمَّا ابتَدَعَهُ غَيرُ المُسلِمِينَ، سَوَاءٌ فِي المُسَمَّى «عِيدِ الأُمِّ» أَو «عِيدِ الأَبِ»، فَفِي شَرِيعَةِ الإِسلَامِ مِنَ البِرِّ بِالأُمَّهَاتِ وَالآبَاءِ مَا يَكفِي وَيَشفِي، وَيُغنِي عَن تَقلِيدِ غَيرِ المُسلِمِينَ فِي عَادَاتِهِم وَمُحدَثَاتِهِم.
فَإِكرَامُ الأُمِّ وَبِرُّهَا لَا يَختَصُّ بِيَومٍ وَاحِدٍ فِي السَّنَةِ، بَل هِيَ دَائِمًا يَنبَغِي أَن تَكُونَ مُعَزَّزَةً مُكَرَّمَةً. وَكَذٰلِكَ الوَالِدُ، فَإِنَّ حَقَّهُ عَظِيمٌ، وَشَأنَهُ كَبِيرٌ، وَيَنبَغِي لِلوَلَدِ أَن يَهتَمَّ بِشَأنِهِ جِدًّا، وَأَن يُعطِيَهُ حَقَّهُ مِنَ الإِكرَامِ وَالصُّحبَةِ الحَسَنَةِ.
وَقَد رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الخُدرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبلَكُم شِبرًا بِشِبرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَو سَلَكُوا جُحرَ ضَبٍّ لَسَلَكتُمُوهُ»، قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَن؟!».
وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأخُذَ أُمَّتِي بِأَخذِ القُرُونِ قَبلَهَا شِبرًا بِشِبرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَفَارِسَ وَالرُّومِ؟ فَقَالَ: «وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ؟». فَفِي هٰذِهِ الأَحَادِيثِ تَحذِيرٌ مِنَ التَّشبُّهِ بِغَيرِ المُسلِمِينَ فِي عَادَاتِهِم، وَمِن جُملَةِ ذٰلِكَ مَا يُسمَّى بِعِيدِ الأُمِّ.
وَالأَفضَلُ لِلمُسلِمِ، بَل الوَاجِبُ عَلَيهِ، أَلَّا يُؤَخِّرَ بِرَّ أُمِّهِ وَوَالِدَيهِ لِيَومٍ وَاحِدٍ فِي السَّنَةِ، بَل يَكُونَ بَرُّهُ لَهُمَا مُستمِرًّا فِي جَمِيعِ الأَيَّامِ. وَأَمَّا مَا اشتَهَرَ عِندَ النَّاسِ مِن أَنَّ اليَومَ الحَادِيَ وَالعِشرِينَ مِن آذَارَ هُوَ «يَومُ الأُمِّ»، فَهٰذَا لَيسَ مِن عَادَاتِنَا نَحنُ المُسلِمِينَ، بَل هُوَ مِن عَادَاتِ مَن يَقصُرُ فِي البِرِّ طِيلَةَ العَامِ، ثُمَّ يُرِيدُ أَن يُظهِرَ فِي هٰذَا اليَومِ صُورَةً مِنَ الإِكرَامِ لِيَصرِفَ النَّظَرَ عَن تَقصِيرِهِ وَعُقُوقِهِ.
فَنَحنُ المُسلِمُونَ نُحِبُّ أُمَّهَاتِنَا، وَنُكرِمُهُنَّ، وَنُطِيعُهُنَّ فِيمَا لَيسَ فِيهِ مَعصِيَةُ اللَّهِ، وَنَبرُّهُنَّ كُلَّ أَيَّامِ العَامِ، لَا فِي يَومٍ وَاحِدٍ فَحَسبُ.
مِن فَوَائِدِ فِي الحَثِّ عَلَى بِرِّ الوَالِدَينِ
مِن أَعظَمِ الفَوَائِدِ الَّتِي تَضمَّنَتهَا: أَنَّ بِرَّ الوَالِدَينِ سَبَبٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، وَأَنَّ مَن أَدرَكَ وَالِدَيهِ عِندَ الكِبَرِ فَلَم يَغتَنِم فُرصَةَ خِدمَتِهِمَا وَالإِحسَانِ إِلَيهِمَا، فَقَد خَابَ وَخَسِرَ.
وَمِن فَوَائِدِهَا: أَنَّ بِرَّ الوَالِدَينِ مُقَدَّمٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّوَافِلِ، فَلَا يَنبَغِي لِلوَلَدِ أَن يَنشَغِلَ بِمَا هُوَ نَافِلَةٌ وَيُضَيِّعَ حَقًّا وَاجِبًا عَلَيهِ.
وَمِن فَوَائِدِهَا: أَنَّ بَابَ البِرِّ وَاسِعٌ جِدًّا، يَدخُلُ فِيهِ التَّوَاضُعُ، وَالرِّفقُ، وَحُسنُ المُخَاطَبَةِ، وَالدُّعَاءُ، وَالإِنفَاقُ، وَالخِدمَةُ، وَزِيَارَةُ مَن يُحِبُّونَ، وَحِفظُ مَشَاعِرِهِمَا، وَتَركُ كُلِّ مَا يُزعِجُهُمَا.
وَمِن فَوَائِدِهَا: أَنَّ الشَّرعَ بَالَغَ فِي التَّوصِيَةِ بِالوَالِدَينِ، حَتَّى إِنَّهُ لَم يُرَخِّص فِي أَدنَى كَلِمَةٍ مِن كَلِمَاتِ التَّضَجُّرِ، فَكَيفَ بِمَا هُوَ أَشدُّ مِن ذٰلِكَ؟
وَمِن فَوَائِدِهَا: أَنَّ العُقُوقَ مِن أَكبَرِ الكَبَائِرِ، وَأَنَّ عُقُوبَتَهُ قَد تُعَجَّلُ لِصَاحِبِهِ فِي الدُّنيَا قَبلَ الآخِرَةِ، وَهٰذَا يَدعُو كُلَّ عَاقٍّ إِلَى أَن يُبَادِرَ بِالتَّوبَةِ وَالإِنَابَةِ وَإِصلَاحِ مَا أَفسَدَ.
وَمِن فَوَائِدِهَا: أَنَّ بِرَّ الوَالِدَينِ سَبَبٌ لِلبَرَكَةِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَسَبَبٌ لِلرِّزقِ، وَلِتَيسِيرِ الأُمُورِ، وَلِلفُتُوحِ، وَلِنَيلِ الأَجرِ وَالدَّرَجَاتِ، وَأَنَّ العَاقَّ مَحرُومٌ مِن كَثِيرٍ مِن أَبوَابِ الخَيرِ وَالتَّوفِيقِ.
شِعرٌ فِي مَعنَى بِرِّ الأُمِّ وَدَوَامِ حَقِّهَا
وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
لَيسَ مِن يَومٍ لِأُمِّي بَل لَهَا كُلُّ الحَيَاةِ
تَستَحِقُّ الأُمُّ مِنَّا بِرَّنَا حَتَّى المَمَاتِ
إِنَّ بِرَّ الأُمِّ فَرضٌ مِن أَجَلِّ الوَاجِبَاتِ
لَا نَفِيهَا بِاحتِفَالٍ حَقَّ إِحدَى الطَّلقَاتِ
لَيسَ حُبُّ الأُمِّ شِعرًا أَو بِرَصفِ الكَلِمَاتِ
حُبُّ أُمِّي يَتَرَاءَى طَاعَةً حَتَّى الوَفَاةِ
خَاتِمَةٌ
فَاتَّقُوا اللَّهَ، عِبَادَ اللَّهِ، وَالزَمُوا طَاعَتَهُ، وَكُونُوا حَرِيصِينَ عَلَى تَحصِيلِ الثَّوَابِ فِي صَحِيفَةِ أَعمَالِكُم، وَتَمَسَّكُوا بِهَديِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَهُوَ الَّذِي أَوصَانَا بِالوَصَايَا العَظِيمَةِ، وَمِن جُملَتِهَا بِرُّ الأُمِّ وَالوَالِدَينِ، وَالحَذَرُ كُلُّ الحَذَرِ مِنَ العُقُوقِ. وَاذكُرُوا دَائِمًا أَنَّكُم لَن تُوَفُّوا حَقَّ أُمَّهَاتِكُم وَآبَائِكُم عَلَى الكَمَالِ، وَلٰكِنَّ المُوَفَّقَ مَن بَذَلَ وُسعَهُ، وَأَحسَنَ صُحبَتَهُ، وَصَبَرَ عَلَى خِدمَتِهِمَا، وَالتَمَسَ رِضَا اللَّهِ فِي رِضَاهُمَا.
اللَّهُمَّ اجعَلنَا مِن أَبَرِّ النَّاسِ بِوَالِدَيهِم، وَمِن أَتقَاهُم، وَمِن أَحسَنِهِم خُلُقًا، بِفَضلِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ. اللَّهُمَّ ارزُقنَا بِرَّ أُمَّهَاتِنَا وَآبَائِنَا أَحيَاءً وَأَموَاتًا، وَأَعِنَّا عَلَى حُسنِ صُحبَتِهِم، وَاغفِر لَهُم، وَارحَمهُم كَمَا رَبَّونَا صِغَارًا. وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
دعاة خير نشر الخير والفضيله هدفنا على مذهب أهل السنة والجماعة