نبي الله إسماعيل عليه الصلاة والسلام هو ابن نبي الله إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه، وأمه السيدة الجليلة هاجر، وقد رَزقَ اللهُ تعالى خليلَهُ إبراهيم عليه السلام إسماعيلَ على الكِبَر، وقد بلغ من العمر عِتياً.
وسيدنا إسماعيل عليه السلام عربي المنشأ تعلم اللغة العربية من قبيلة جُرهم، فإليه ينتسب عرب الحجاز، وقد أثنى الله جلَّ جلاله على نبيه إسماعيل عليه السلام في القرءان الكريم ثناء حسناً ووصفه بالصفات الحميدة والخلال السديدة، فوصفه بالنبوة والرسالة والحلم والصبر وصدق الوعد والمحافظة على الصلاة.. وأكرم بها من صفات وأخلاق وخلال وهو كغيره من إخوانه الأنبياء الأطهار كان يدعو إلى عبادة الله عز وجل خالق كل شيء وأن لا يشرك به شيء وأنه لا أحد يَستَحِقُ أن يُعبَدَ إلا الله سبحانه وتعالى الذي ليس كمثله شىء وهو السميع البصير.
ظهور ماء زمزم
لما وَلَدت السيدة الجليلة هاجر عليها السلام ابنَها إسماعيلَ غارت منها سارة زوجة إبراهيم عليه الصلاة والسلام للطبيعة التي فيها، ولأنها كانت في أول أمرها إمرأة عقيماً لا تلد، فقالت لزوجها إبراهيم عليه السلام: “لا يجمعني وإياها بيت”، وطلبت منه أن يُغَيَّب وجهها عنها، فأمَر الله عزّ وجلّ نبيَّه وخليله إبراهيم عليه السلام بإسكان هاجر وابنها إسماعيل في بلاد الحجاز، لما سيترتب على ذلك من مصالح كبرى، فامتثل إبراهيم الخليل عليه السلام لأمر ربه وسافر بهاجر وولدها إسماعيل وهو ما زال طفلاً رضيعاً، إلى أرض مكة المكرمة حيث وضعها عند مكان الكعبة المشرفة، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة المشرفة يومئذ أحد، وليس بها ماء عذب، ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء عذب وأمر عليه السلام أمَ إسماعيل أن تتخذ لها ولابنها عريشاً يقيها الحر والبرد، ثم ولّى راجعاً من حيث أتى وكله ثقة ويقين وتوكل واعتماد على مولاه وخالقه الذي لا تضيع ودائعه…ومفوضاً الأمر إليه…فقامت إليه أم إسماعيل هاجر عليها السلام وتعلقت بثيابه وقالت له: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس وليس معنا ما يكفينا؟ وصارت تكرر عليه ذلك مراراً وهو لا يجيبها ولا يلتفت إليها.. فلمّا ألحت عليه وهو لا يجيبها، فقالت له: ءالله أمرك بهذا؟ قال لها “نعم” فقالت وكلها ثقة وتوكل على الله تعالى: إذاً لا يُضيّعنا، ثم رجعت إلى طفلها الرضيع إسماعيل عليه السلام عند مكان الدوحة المباركة.
وانطلق نبي الله إبراهيم عليه السلام راجعاً حتى إذا كان في مكان عند الثنية..استقبل بوجهه الشريف مكان البيت الحرام ثم رفع يديه الشريفتين وصار يدعو بهؤلاء الدعوات التي ذكرها الله تعالى في القرءان: ربَّنآ إني أسكَنتُ من ذُريتِى بوادٍ غيرِ ذِى زَرعٍ عند بيتِكَ المحرَّم رَبَّنا لِيُقيموا الصلاة فاجعل أفئدةً من الناسِ تهوى إليهم وارزقهم من الثَّمَرات لعلهُم يَشكرون [سورة إبراهيم/37.
ورجعت السيدة الجليلة هاجر ترضع ولدها إسماعيل وتشرب من ذلك الماء الذي كان معها، حتى إذا نفد ما في السقاء من الماء الذي كان معها، عطشت عطشاً شديداً وعطش طفلها الرضيع..ثم انطلقت كراهية أن تنظر إليه وهو على هذه الحالة الصعبة، فوجدت في الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم ترَ أحداً، فهبطت من جبل الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ليساعدها على سرعة المشي فصارت تسعى سعي الإنسان المُتعب المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها تنظر بلهفة علّها ترى أحداً، فلم تر أحداً، ثم فعلت ذلك سبع مرات صابرة متوكلة على الله عزّ وجلّ. فلما أشرفت بعد ذلك على جبل المروة سمعت صوتاً..فقالت لنفسها: صه (أي اسكت، مبالغة الاهتمام) ثم أنصتت فسمعت ذلك الصوت أيضاً، فقالت: قد أسمعت، إن كان عندك غِواث فأغث، فَظَهر لها الملَك جبريل عليه السلام عند موضع زمزم المبارك، وكَشَف الله عزّ وجلّ كُربة هاجر عليها السلام وفرَّج عنها شدتها فجعلت تغرف من ماء زمزم في سقائها وهو يغور كلما تَغْرف، فشربت وارتوت وأرضعت ولدها إسماعيل، فقال لها الملَك جبريل عليه السلام مطمئناً إياها: لا تخافي الضيعة، فإنّ هاهنا بيتاً لله يبنيه هذا الغلام وأبوه.
فَضْلُ ماء زمزم
لا خلاف بين المؤرخين أن أول من أظهر ماء زمزم على وجه الأرض هو الملَك جبريل عليه السلام، والله جلّ جلاله جعل في ماء زمزم الشفاء والبركة وجعله ذا خواص ومزايا وفوائد ليست في غيره ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيّ قال: «خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم» رواه ابن حبان. وقد ذكر الإمام الحافظ العراقي رضي الله عنه: إنَّ حكمة غسل صدر النبي بماء زمزم لِيَقْوى به على رؤية ملكوت السموات والأرض والجنة والنار؛ لأن من خواص ماء زمزم أنه يُقوي القلب ويُسكن الروع.
ومما يدل على عظيم فضل ماء زمزم وما فيه من منافع ومزايا ما رُوي عن ابن عباس ترجمان القرءان رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله : «ماء زمزم لما شُرب له إن شربته تسْتشفي به شَفَاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله وإن شربته لتقطع ظمأك قطعه الله».
ومن الذين شربوا من ماء زمزم لقصد طيَّب فنالوه بإذن الله عزّ وجلّ ومشيئته، الإمام الشافعي رضي الله عنه، فقد ثبت أنه شرب ماء زمزم للعِلْم فكان فيه غايته.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يكرمنا بأداء مناسك الحج المباركة وزيارة قبر نبيه الأعظم ، وأن يكرمنا بالشرب من ماء زمزم المبارك وينفعنا ببركاته. والحمد لله رب العامين.
دعاة خير نشر الخير والفضيله هدفنا على مذهب أهل السنة والجماعة