أهل السنّة والجماعة هم جمهور الأمّة المحمّدية، وهم الصحابة ومن تبعهم في المعتقد أي أصول الاعتقاد، وهي الأمور الستة المذكورة في حديث جبريل الذي قال فيه الرسول ﷺ: (الإِيْمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ ومَلَائِكَتِه وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) .
وأفضلُ هؤلاءِ السلفُ وهم أهلُ القرون الثلاثة المرادون بقول رسول الله ﷺ: (خَيْرُ أُمَّتي قَرْنِي ثُمَّ الذِيْنَ يَلُونَهُم ثُمَّ الذِيْنَ يَلُوْنَهُمْ) \، فعلى تفسير القرن بمائة سنة فالسلف هم من كانوا ضمن الثلاثمائة، ومنهم أي من العلماء من جعل منتهى السلف سنة مائتين وعشرين، والأول هو المشهور. وهم المرادون أيضًا بحديث الترمذي وغيره: (أوصِيكُمْ بأَصحَابِي ثمَّ الذينَ يلُونَهُم ثمَّ الذينَ يلُونَهُم) وفيه قوله ﷺ: (عليكُم بالجماعَةِ وإيَّاكُمْ والفُرقَة فإنَّ الشَّيطانَ معَ الواحدِ وهوَ مِنَ الاثنينِ أبعَد، فمنْ أرادَ بُحبوحَة الجنةِ فليلزَم الجماعَة)، وهم المرادون أيضًا بالجماعـة الواردة فيمـا رواه أبـو داود :(وإنَّ هذهِ الملَّة ستفتـرِقُ على ثلاثٍ وسبعيـنَ
ثنتانِ وسبعونَ في النَّار وواحدةٌ في الجنةِ وهيَ الجماعَة).
والأشاعرة والماتريدية نسبة إلى إمامَي أهل السنة والجماعة أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي، وهم على عقيدة الرسول والصحابة، وهم الفرقة الناجية التي سمّاها الرسول ﷺ في الحديث الذي قال فيه: (افْتَرَقَتْ بَنُو إِسْرَائِيْلَ عَلَى إِحْدََى وَسَبْعِيْنَ فِرْقَةً تَزِيْدُ عَلَيْهَا أُمَّتِي فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إلَّا السَّوَادَ الأَعْظَمَ) وفي رواية: (وَهِيَ التِي عَلى مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي ومعنى أهل السنة: الذين يتبعون شريعة الرسول أي العقيدة التي جاء بها والأحكام، أمّا معنى كلمة الجماعة: الجمهور الغالب. واليوم زاد عدد المسلمين على المليار ومعظم هؤلاء الأشاعرة والماتريدية والذين خالفوا شاذون. فالجماعة هم السواد الأعظم ليس معناه صلاة الجماعة، كما يوضح ذلك حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أن الرسول ﷺ قال:
(ثَلَاثٌ لا يُغِلُّ عَلَيْهنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلاةِ الأمْرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَاءهُم).
وهذان الإمامان قرّرا عقائد أهل السنة فقاما بإيضاح عقيدة أهل السنة التي كان عليها الصحابة ومن تبعهم بإيراد أدلة نقلية وعقلية مع رد شُبه المعتزلة والمشبهة وغيرهما فنسب إليهما أهل السنة فصار يقال لأهل السنة أشعريون وماتريديون.
قال الحافظ محمد مرتضى الزبيدي في شرح إحيـاء علوم الدين: “الفصل الثاني إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية” .
وأصول العقيدة اعتقاد أنّ الله تعالى موجود لا يشبه غيره بالمرة ولا بوجه من الوجوه، وأنه غير متحيّز في جهةٍ ومكان، وأنّ له صفاتٍ أزليةً أبديةً كما أنّ ذاته أزلي أبدي. علم الله أزلي أبدي، وقدرته وإرادته أزليتان أبديتان، وسمعه وبصره أزليان أبديان، وكلامه أزلي أبدي ليس حرفًا ولا صوتًا، وأنّ له بقاءً لا يلحقه فناء كما لم يسبقه عدم، وأنّ له حياةً أزلية أبدية ليست كحياة غيره. وكذلك من أصول العقيدة اعتقاد أن الله واحد لا يشبه شيئًا، وأنّه مستغن عن كل شىء، وأنه أزلي لا ابتداء لوجوده.
وإجمال اعتقاد الأشعري رحمه الله تعالى الذي هو اعتقاد أهل السنة والجماعة قاطبة أنّ الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له، ليس بجسم مصوَّر، ولا جوهر محدد مُقدَّر، ولا يشبه شيئًا ولا يُشبهه شيء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ قديم لا بداية لوجوده، دائم لا يطرأ عليه فناء، لا يعجزه شىء، لا تحيط به الجهات، كان قبل أن كوَّن المكان بلا مكان، وهو الآن على ما عليه كان، لا يقال متى كان ولا أين كان ولا كيف، لا يتقيد بالزمان ولا يتخصص بالمكان، تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات وأنّه سبحانه وتعالى منزه عن الجلوس والمماسة والاستقرار، والتمكن والحلول والانتقال، لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام، حيّ، عليم، قادر، سميع، بصير، متكلّم، وكلامه قديم كسائر صفاته لأنّه سبحانه مباين لجميع المخلوقات في الذات والصفات والأفعال. ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، وأنّه سبحانه وتعالى خلق الخلق وأعمالهم، وقدّر أرزاقهم وءاجالهم، لا دافع لما قضى ولا مانع لما أعطى، يفعل في ملكه ما يريد لا يُسئل عما يفعل وهم يسئلون، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنّه سبحانه موصوف بكل كمال يليق به منزّه عن كل نقص في حقّه، وأنّ محمدًا ﷺ خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، مبعوث إلى عامّة الجن وكافة الورى، صادق ﷺ في كلّ ما يبلغه عن الله تعالى.
وقـد صنّـف أتبـاع الماتريـدي والأشعري من بعدهمـا المئـات من المجـلدات في الردّ علـى المخالفيـن للإسلام بالحجـج الدامغـة الكثيـرة والمناظرات العديـدة، ورفعـوا لواء مذهــب الأشعري في الخافقيـن ، وأبرزهم في نشره ثلاثـة: الأستـاذ أبو بكـر بن فـورك ، وأبـو إسحـق الإسفراييـني ، والقاضـي الإمـام أبو بكـر الباقلاني ، فالأوّلان نشراه في المشرق والقاضي نشره في المشرق والمغرب، فما جاءت المائة الخامسة إلا والأمّة الإسلامية أشعرية وماتريدية لم يشذّ عنهما سوى نزر من المعتزلة وشرذمة من المشبهة وطائفة من الخوارج، فلا تجد عالمًا محققًّا أو فقيهًا مدققًّا إلا وهو أشعري أو ماتريدي. وقال تاج الدين السبكي في طبقاته: “أنا أعلم أن المالكية كلَّهم أشاعرة لا أستثني أحدا، والشافعية غالبهم أشاعرة لا أستثني إلا من لحق منهم بتجسيم أو اعتزال ممن لا يعبأ الله به، والحنفية أكثرهم أشاعرة أعني يعتقدون عقد الأشعري لا يخرج منهم إلا من لحق منهم بالمعتزلة، والحنابلة أكثر فضلاء متقدميهم أشاعرة لم يخرج منهم عن عقيدة الأشعري إلا من لحق بأهل التجسيم وهم في هذه الفرقة من الحنابلة أكثر من غيرهم”.
دعاة خير نشر الخير والفضيله هدفنا على مذهب أهل السنة والجماعة