إِثبَاتُ مَشرُوعِيَّةِ التَّهنِئَةِ بِمَواسِمِ الخَيرِ وَالأَعيَادِ وَالأَعوَامِ: أَصلُهَا فِي السُّنَّةِ وَآثَارِ السَّلَفِ وَتَقرِيرُ الفُقَهَاءِ

بِسمِ اللهِ الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ.

الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ، الَّذي جَعَلَ لِعِبادِهِ مَواسِمَ خَيرٍ يَتَزَوَّدُونَ فِيهَا مِنَ الطَّاعاتِ، وَيَتَنافَسُونَ فِيهَا فِي أَعمالِ البِرِّ وَالقُرُباتِ، وَأَشهَدُ أَن لا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، المُبَشِّرَ بِالخَيرِ، الدَّالَّ عَلَى الفَضلِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثيرًا.

مُقَدِّمَةٌ

كَثُرَ السُّؤَالُ فِي هَذِهِ الأَزمَانِ عَن حُكمِ التَّهنِئَةِ بِقُدُومِ شَهرِ رَمَضَانَ، وَبِحُلُولِ العِيدَينِ، وَبِدُخُولِ العَامِ الهِجرِيِّ الجَدِيدِ، وَنَحوِ ذلِكَ مِنَ المُناسَباتِ الإِسلامِيَّةِ الَّتِي يَتَبَادَلُ فِيهَا المُسلِمُونَ عِبَارَاتِ الدُّعَاءِ وَالبِشرِ وَحُسنِ المُخَاطَبَةِ؛ وَيَتَرَدَّدُ مَعَ ذَلِكَ إِشكَالٌ عِندَ بَعضِ النَّاسِ: هَل لِهَذِهِ التَّهانِي أَصلٌ فِي الشَّرعِ وَالسُّنَّةِ، أَم أَنَّهَا مِن عَادَاتِ النَّاسِ المُحدَثَةِ الَّتِي لَا سَنَدَ لَهَا؟ وَإِنَّ مِثلَ هَذَا السُّؤَالِ إِذَا أُطلِقَ دُونَ تَحرِيرٍ، أَو قُدِّمَ فِيهِ التَّشدِيدُ عَلَى حَقِيقَةِ المَعنَى، أَورَثَ البَلبَلَةَ وَالتَّضييقَ فِيمَا فِيهِ سَعَةٌ، وَفَتَحَ بَابَ التَّنَازُعِ فِي أَمرٍ مَقصُودُهُ إِشَاعَةُ المَوَدَّةِ وَتَأكِيدُ الأُخوَّةِ وَتَجديدُ الفَرَحِ بِمَواسِمِ الطَّاعَةِ.

وَالجَوابُ عَن ذَلِكَ -وَبِاللهِ التَّوفيقُ- أَنَّ التَّهنِئَةَ بِقُدُومِ الأَعيَادِ وَالأَعوَامِ وَالشُّهُورِ لَهَا أَصلٌ فِي السُّنَّةِ وَآثَارِ السَّلَفِ، وَقَد نَصَّ أَهلُ العِلمِ وَالفُقَهَاءُ عَلَى مَشرُوعِيَّتِهَا، بَل عَلَى استِحبَابِهَا عِندَ جُمهُورٍ مِنهُم، إِذَا خَلَت مِن مُحَرَّمٍ، وَصَحَّ القَصدُ فِيهَا إِلَى إِدخَالِ السُّرُورِ وَتَقوِيَةِ أَواصِرِ المُؤمِنِينَ.

المَبحَثُ الأَوَّلُ: التَّبشيرُ بِقُدُومِ رَمَضَانَ وَأَنَّهُ أَصلٌ فِي مَشرُوعِيَّةِ التَّهنِئَةِ

إِذَا أُريدَ تَحرِيرُ أَصلِ المَسأَلَةِ، فَإِنَّ أَبينَ مَا يُستَفتَحُ بِهِ: مَا ثَبَتَ مِن تَبشيرِ النَّبِيِّ ﷺ أَصحابَهُ بِقُدُومِ رَمَضَانَ؛ فَقَد رَوَى الإِمامُ أَحمَدُ وَالنَّسائِيُّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبَشِّرُ أَصحابَهُ بِقُدُومِ رَمَضَانَ يَقُولُ: «قَد جاءَكُم شَهرُ رَمَضَانَ، شَهرٌ مُبارَكٌ، كَتَبَ اللهُ عَلَيكُم صِيامَهُ، تُفتَحُ فِيهِ أَبوابُ الجَنَّةِ، وَتُغلَقُ فِيهِ أَبوابُ الجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّياطِينُ، فِيهِ لَيلَةٌ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ، مَن حُرِمَها حُرِمَ الخَيرَ الكَثيرَ».

وَهَذَا النَّصُّ -بِمَا فِيهِ مِن تَبشيرٍ وَإِعلَانٍ- يَكشِفُ عَن مَعنًى شَرعِيٍّ رَفِيعٍ؛ وَهُوَ أَنَّ إِظهَارَ الفَرَحِ بِقُدُومِ المَواسِمِ الفَاضِلَةِ، وَمُشَارَكَةَ المُسلِمِينَ فِي البُشرَى بِهَا، أَمرٌ مَقصُودٌ فِي الشَّرعِ؛ إِذ لَيسَ التَّبشيرُ مُجرَّدَ إِبلاغٍ بِالخَبَرِ وَحَسبُ، بَل هُوَ إِيقَاظٌ لِلهِمَمِ، وَتَشويقٌ لِلطَّاعَاتِ، وَتَطييبٌ لِلنُّفُوسِ، وَتَثبيتٌ لِمَعَانِي الرَّحمَةِ وَالرَّجَاءِ. وَمِن هَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّهنِئَةَ بِقُدُومِ رَمَضَانَ -وَنَحوِهِ مِن مَواسِمِ الخَيرِ- لَيسَت غَريبَةً عَن السُّنَّةِ، بَل هِيَ مِمَّا يَندَرِجُ تَحتَ أَصلِ التَّبشيرِ وَإِظهَارِ الفَرَحِ وَالدُّعَاءِ بِالخَيرِ.

المَبحَثُ الثَّانِي: نُقُولُ أَهلِ العِلمِ فِي التَّهنِئَةِ وَتَحرِيرُ مَوضِعِ الخِلَافِ

وَلِمَن يَطلُبُ تَوثِيقًا أَزيَدَ فِي مَوضِعِ التَّهنِئَةِ، فَقَد نَقَلَ الإِمامُ القَسطَلَّانِيُّ فِي «المَواهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ» وَشَرحِهِ لِلزُّرقانِيِّ خُلاصَةَ مَا ذَكَرَهُ القُمُولِيُّ فِي «الجَواهِرِ» أَنَّهُ قَالَ: لَم أَرَ لِأَحَدٍ مِن أَصحابِنَا كَلامًا فِي التَّهنِئَةِ بِالعِيدِ وَالأَعوَامِ وَالأَشهُرِ كَمَا يَفعَلُهُ النَّاسُ، لَكِن نَقَلَ الحافِظُ المُنذِرِيُّ عَنِ الحافِظِ أَبِي الحَسَنِ المَقدِسِيِّ أَنَّ النَّاسَ لَم يَزالُوا مُختَلِفِينَ فِيهِ، وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ مُبَاحٌ، لَا سُنَّةٌ وَلَا بِدعَةٌ.

وَهَذَا النَّقلُ ـوَإِن كَانَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عَدَمِ الوُقُوفِ عَلَى نَصٍّ خَاصٍّ فِي بَعضِ مَظَاهِرِ التَّهنِئَةِـ إِلَّا أَنَّهُ يُقَرِّرُ مَعنًى مُهِمًّا، وَهُوَ أَنَّ أَصلَ التَّهنِئَةِ فِي الجُملَةِ لَا يُنَازَعُ فِيهِ مِن حَيثُ الإِبَاحَةُ، وَأَنَّ الخِلَافَ -إِذَا وُجِدَ- فَهُوَ فِي تَعيِينِ صِفَتِهَا: هَل هِيَ سُنَّةٌ مُستَقِلَّةٌ، أَم عَادَةٌ مُبَاحَةٌ تَأخُذُ حُكمَ مَقاصِدِهَا؟ وَهَذَا التَّحرِيرُ يَمنَعُ مِن التَّضخِيمِ الَّذِي يَجعَلُ مَسأَلَةً فِيهَا سَعَةٌ مَوضِعَ تَبديعٍ وَتَشنِيعٍ.

ثُمَّ إِنَّ الحافِظَ ابنَ حَجَرٍ العَسقَلَانِيَّ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ فَأَجابَ بِأَنَّ التَّهنِئَةَ مَشرُوعَةٌ، وَاحتَجَّ لِذلِكَ بِمَا صَنَعَهُ الإِمامُ البَيهَقِيُّ فِي «السُّنَنِ الكُبرى» إِذ عَقَدَ بَابًا قَالَ فِيهِ: «بابُ ما رُوِيَ فِي قَولِ النَّاسِ بَعضِهِم لِبَعضٍ فِي يَومِ العِيدِ: تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنكَ»، وَسَاقَ أَخبَارًا وَآثَارًا، وَإِن كانَ فِي أَسَانِيدِ بَعضِهَا ضَعفٌ، إِلَّا أَنَّ مَجمُوعَهَا يَدُلُّ عَلَى أَصلِ المَشرُوعِيَّةِ، وَيُحتَجُّ بِهِ فِي مِثلِ هَذِهِ الأَبوَابِ.

وَمِمَّا يَؤَكِّدُ أَنَّ المَسأَلَةَ لَيسَت عَارِضَةً فِي كَلَامِ أَهلِ العِلمِ: أَنَّ الحافِظَ جَلالَ الدِّينِ السُّيُوطِيَّ صَنَّفَ جُزءًا مُستَقِلًّا سَمَّاهُ «وُصُولَ الأَمانِي بِأُصُولِ التَّهَانِي»، وَذَكَرَ فِيهِ الأَدِلَّةَ وَالآثَارَ المُتَعَلِّقَةَ بِالتَّهنِئَةِ بِالعِيدِ وَالعَامِ وَالشَّهرِ وَنَحوِ ذلِكَ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اعتِنَاءِ العُلَمَاءِ بِتَقرِيرِ أَصلِهَا وَبَيَانِ مَوقِعِهَا مِن مَقاصِدِ الشَّرعِ.

المَبحَثُ الثَّالِث: استِدلالُ الفُقَهَاءِ بِالعُمُوماتِ وَالقِيَاسِ وَتَقرِيرُ الاستِحبَابِ

لَم يَقتَصِر أَهلُ الفِقهِ عَلَى النُّقُولِ فَقَط، بَل أَعمَلُوا القَوَاعِدَ العَامَّةَ وَالمَقاصِدَ الشَّرعِيَّةَ فِي تَقرِيرِ حُكمِ التَّهنِئَةِ. فَقَد نَصَّ جَمعٌ مِن فُقَهَاءِ المَذاهِبِ عَلَى استِحبَابِ التَّهنِئَةِ بِالأَعيَادِ وَالأَعوَامِ وَالأَشهُرِ، وَجَعَلُوهَا فِي جُملَةِ مَا يُندَبُ إِذَا صَحَّت نِيَّتُهُ وَخَلَا مِن مَحذُورٍ.

فَمِن ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ زَكَرِيَّا الأَنصارِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي «أَسنَى المَطالِبِ» أَنَّ التَّهنِئَةَ مُبَاحَةٌ، وَنَقَلَ عَن شَيخِهِ ابنِ حَجَرٍ أَنَّهَا مَشرُوعَةٌ، وَاستَدَلَّ لِذلِكَ بِعُمُومِ التَّهنِئَةِ بِحُدُوثِ النِّعَمِ أَوِ اندِفَاعِ النِّقَمِ، وَقاسَهَا عَلَى سُجُودِ الشُّكرِ عِندَ تَجَدُّدِ النِّعمَةِ؛ فَإِذَا كَانَ الشَّرعُ قَد شَرَعَ سُجُودَ الشُّكرِ عِندَ تَجَدُّدِ النِّعمَةِ، فَالتَّهنِئَةُ بِاللِّسَانِ وَالدُّعَاءُ بِالخَيرِ فِي مِثلِ هَذِهِ المَواقِعِ تَدخلُ فِي مَعنَى الشُّكرِ وَإِظهَارِ الفَرَحِ بِالنِّعمَةِ.

وَقَالَ ابنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ فِي «تُحفَةِ المُحتاجِ»: تُسَنُّ التَّهنِئَةُ بِالعِيدِ وَنَحوِهِ مِنَ العَامِ وَالشَّهرِ عَلَى المُعتَمَدِ، مَعَ المُصافَحَةِ. وَهَذَا نَصٌّ فِي تَقرِيرِ السُّنِّيَّةِ عَلَى المُعتَمَدِ عِندَهُ فِي مِثلِ هَذَا البَابِ، وَيُفهَمُ مِنهُ أَنَّ المُصافَحَةَ -إِذَا جَرَت بِهَا العَادَةُ- تَكُونُ مِن مُكمِّلَاتِ المَعنى فِي إِظهَارِ المَوَدَّةِ، لَا مِن مَوضِعِ التَّكلِيفِ المُستَقِلِّ.

وَنَصَّ القَليُوبِيُّ وَالجَمَلُ وَغَيرُهُما عَلَى أَنَّ التَّهنِئَةَ مَندُوبَةٌ، وَاستَأنَسُوا لِذلِكَ بِقِصَّةِ كَعبِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي قَبولِ تَوبَتِهِ؛ إِذ لَمَّا بُشِّرَ بِقَبُولِ تَوبَتِهِ قَامَ إِلَيهِ طَلحَةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ فَهَنَّأَهُ، وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ. وَهَذَا التَّقريرُ النَّبَوِيُّ يَفتَحُ بَابَ القِيَاسِ فِي مَسأَلَتِنَا؛ فَإِنَّ التَّهنِئَةَ عِندَ حُدُوثِ نِعمَةٍ مَشرُوعَةٌ، وَمِن أَعظَمِ النِّعَمِ تَجَدُّدُ مَواسِمِ الطَّاعَةِ كَرَمَضَانَ وَالعِيدَينِ وَدُخُولِ عَامٍ جَدِيدٍ يُرجَى أَن يَكُونَ أَفضَلَ مِن سابِقِهِ فِي العَمَلِ وَالتُّقى.

وَقالَ سُلَيمانُ الجَمَلُ في «حاشِيَتِهِ عَلَى شَرحِ المَنهَجِ» (2/105، ط. دارِ الفِكرِ): «وَعِبارَةُ البَرماوِيِّ: وَالتَّهنِئَةُ بِالأَعيادِ وَالشُّهورِ وَالأَعوامِ مُستَحَبَّةٌ، وَيُستَأنَسُ لَها بِطَلَبِ سُجودِ الشُّكرِ عِندَ حُدوثِ نِعمَةٍ، وَبِقِصَّةِ كَعبٍ وَصاحِبَيهِ حِينَ بُشِّرَ بِقَبولِ تَوبَتِهِ لَمَّا تَخَلَّفَ عَن غَزوَةِ تَبوكَ، وَتَهنِئَةِ أَبي طَلحَةَ لَهُ، وَتُسَنُّ الإِجابَةُ فيها بِنَحوِ: “تَقَبَّلَ اللهُ مِنكُم”، “أَحياكُمُ اللهُ لِأَمثالِهِ”، “كُلُّ عامٍ وَأَنتُم بِخَيرٍ”». اهـ.

وَقَد زَادَ بَعضُ الفُقَهَاءِ فِي تَقرِيرِ ذَلِكَ نُقولًا أُخرَى؛ فَفِي «حاشِيَةِ اللُّبدِيِّ الحَنبَلِيِّ» عَلَى «نَيلِ المَآرِبِ شَرحِ دَلِيلِ الطَّالِبِ» أَنَّهُ لَا بَأسَ بِالتَّهنِئَةِ بِالعِيدَينِ وَالأَعوَامِ وَالأَشهُرِ، وَأَنَّ تَبشيرَ النَّبِيِّ ﷺ بِقُدُومِ رَمَضَانَ أَصلٌ فِي تَهنِئَةِ النَّاسِ بِمَواسِمِ الخَيرَاتِ، وَأَنَّ القِيَاسَ يَجرِي فِي ذَلِكَ عَلَى سَائِرِ أَوقَاتِ وَظَائِفِ الطَّاعَاتِ.

وَجاءَ في حاشِيَةِ العَلَّامَةِ اللَّبَدِيِّ الحَنبَلِيِّ عَلَى «نَيلِ المَآرِبِ شَرحِ دَليلِ الطَّالِبِ» (1/99، ط. دارِ البَشائِرِ): «قَولُهُ: “وَلَا بَأسَ بِقَولِهِ الخ”: أَي: وَأَمَّا التَّهنِئَةُ بِالعِيدَينِ وَالأَعوامِ وَالأَشهُرِ، كَما يَعتادُهُ النّاسُ، فَلَم أَرَ فيهِ لِأَحَدٍ مِن أَصحابِنا نَصًّا. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُبَشِّرُ أَصحابَهُ بِقُدومِ رَمَضانَ. قالَ بَعضُ أَهلِ العِلمِ: هٰذا الحَديثُ أَصلٌ في تَهنِئَةِ النّاسِ بَعضِهِم بَعضًا بِشَهرِ رَمَضانَ. قُلتُ: وَعَلَى قِياسِهِ تَهنِئَةُ المُسلِمينَ بَعضِهِم بَعضًا بِمَواسِمِ الخَيراتِ وَأَوقاتِ وَظائِفِ الطّاعاتِ». اهـ.

وَقَد صَنَّفَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ في بَيانِ استِحبابِ التَّهنِئَةِ عِندَ حُصولِ النِّعَمِ؛ فَمِنهُمُ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلانيُّ في «جُزءِ التَّهنِئَةِ في الأَعيادِ»، وَالحافِظُ جَلالُ الدِّينِ السُّيوطِيُّ في «وُصولِ الأَماني بِأُصولِ التَّهاني»، وَالعَلَّامَةُ الزَّرقانيُّ في «رِسالَةٍ في التَّهنِئَةِ وَالتَّعزِيَةِ وَالإِصلاحِ بَينَ النّاسِ».

المَبحَثُ الرَّابِع: الأَدِلَّةُ العَامَّةُ فِي فَضلِ إِدخَالِ السُّرُورِ وَحُسنِ النِّيَّةِ

وَمِن أَحسَنِ مَا يُستَندُ إِلَيهِ فِي هَذَا البَابِ: أَنَّ الشَّرعَ جَاءَ بِتَقرِيرِ مَعنَى إِدخَالِ السُّرُورِ عَلَى المُؤمِنِينَ، وَتَوثِيقِ العَلَاقَةِ بَينَ قُلوبِهِم. وَقَد رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَفضَلُ الأَعمالِ إِدخالُ السُّرُورِ عَلَى مُؤمِنٍ» رواه الطبرانيُّ وغيرُه. وَإِن كَانَ فِي إِسنَادِهِ كَلَامٌ؛ فَإِنَّ جُمهُورَ الحُفَّاظِ قَرَّرُوا أَنَّ مِثلَ هَذِهِ الأَخبَارِ يُعمَلُ بِهَا فِي فَضَائِلِ الأَعمَالِ، لِمَا فِيهَا مِن تَشويقٍ إِلَى المَعانِي المَحمُودَةِ وَالأَخلاقِ المَرضِيَّةِ.

وَيَزدَادُ المَعنَى وُضُوحًا بِمَا ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ الصَّحيحِ: «إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امرِئٍ مَا نَوَى»؛ فَإِذَا قَصَدَ المُسلِمُ بِتَهنِئَتِهِ وَجهَ اللهِ، وَأَرَادَ إِدخَالَ السُّرُورِ عَلَى أَخِيهِ، وَمُشَارَكَتَهُ فِي الفَرَحِ بِالنِّعمَةِ، وَتَقوِيَةَ أَواصِرِ المَوَدَّةِ وَالأُخوَّةِ، كَانَت تَهنِئَتُهُ قُربَةً يُثَابُ عَلَيهَا؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ الصَّالِحَةَ تَرفَعُ العَادَاتِ إِلَى مَراتِبِ العِبَادَاتِ، وَتَجعَلُ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ فِي مَوضِعِهَا مِن أَبوَابِ الصَّدَقَةِ وَالإِحسَانِ.

المَبحَثُ الخَامِس: عَمَلُ الصَّحابَةِ وَالسَّلَفِ فِي استِقبَالِ الشُّهُورِ وَالأَعوَامِ

وَإِذَا كَانَ السُّؤَالُ عَن أَثرِ السَّلَفِ فِي هَذَا البَابِ، فَإِنَّ فِيهِ مَا يَقطَعُ بِأَنَّ استِقبَالَ الشُّهُورِ وَالأَعوَامِ بِالدُّعَاءِ وَإِظهَارِ الفَرَحِ أَمرٌ مَعرُوفٌ عِندَهُم. فَقَد رَوَى الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي «الإِصابَةِ» عَن عَبدِ اللهِ بنِ هِشامٍ أَنَّهُ قَالَ: كانَ أَصحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَعَلَّمُونَ الدُّعَاءَ كَمَا يَتَعَلَّمُونَ القُرآنَ، إِذَا دَخَلَ الشَّهرُ أَوِ السَّنَةُ، يَقُولُونَ: «اللَّهُمَّ أَدخِلهُ عَلَينا بِالأَمنِ وَالإِيمَانِ، وَالسَّلامَةِ وَالإِسلامِ، وَجِوارٍ مِنَ الشَّيطَانِ، وَرِضوانٍ مِنَ الرَّحمٰنِ»، وَقَد قَالَ ابنُ حَجَرٍ: هَذَا مَوقُوفٌ عَلَى شَرطِ الصَّحيحِ.

وَفِي هَذَا الأَثرِ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ التَّوَجُّهَ بِالدُّعَاءِ عِندَ تَجَدُّدِ الأَزمَانِ -شَهرًا أَو عَامًا- مَنهَجٌ سَلَفِيٌّ مَعرُوفٌ، وَأَنَّ المَعنَى الَّذِي تَقصِدُهُ التَّهنِئَةُ -وَهُوَ الدُّعَاءُ بِالخَيرِ وَالأَمنِ وَالإِيمَانِ وَالسَّلامَةِ- مَعنًى مُتَجَذِّرٌ فِي عَمَلِ الصَّحابَةِ، لَا يُصَحُّ أَن يُجعَلَ فِي عِدادِ المُحدَثَاتِ. وَمِن هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ تَبَادُلَ الدُّعَاءِ وَالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ عِندَ قُدُومِ رَمَضَانَ أَو العِيدَينِ أَو دُخُولِ عَامٍ جَدِيدٍ هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ تَفريعٌ عَلَى أَصلٍ مَعرُوفٍ: أَصلِ الدُّعَاءِ وَإِظهَارِ الفَرَحِ بِمَواسِمِ الطَّاعَةِ.

خَاتِمَةٌ

وَالحاصِلُ أَنَّ التَّهنِئَةَ بِقُدُومِ رَمَضَانَ، وَبِالعِيدَينِ، وَبِدُخُولِ العَامِ الهِجرِيِّ الجَدِيدِ، وَبِنَحوِ ذَلِكَ مِنَ المُناسَباتِ الإِسلامِيَّةِ، أَمرٌ جَائِزٌ مَشرُوعٌ، بَل مَندُوبٌ عِندَ جُمهُورٍ مِنَ الفُقَهَاءِ، إِذَا خَلَا مِن مُحَرَّمٍ، وَقُصِدَ بِهِ وَجهُ اللهِ، وَإِدخَالُ السُّرُورِ عَلَى المُؤمِنِينَ، وَتَأكِيدُ رَوابِطِ المَوَدَّةِ وَالتَّراحُمِ.

فَليُهَنِّئِ المُسلِمُ أَخاهُ بِمَا يَسُرُّهُ مِن أَمرِ دِينِهِ وَدُنيَاهُ، وَليَختَر مِنَ الأَلفَاظِ أَحسَنَهَا وَأَطيَبَهَا، كَأَن يَقُولَ: «تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنكُم»، أَو «كُلُّ عَامٍ وَأَنتُم بِخَيرٍ»، أَو «بَارَكَ اللهُ لَكُم فِي هَذَا الشَّهرِ»، وَنَحوَ ذَلِكَ مِمَّا تَستَقِيمُ بِهِ المَعَانِي وَتَصلُحُ بِهِ القُلوبُ؛ فَإِنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ صَدَقَةٌ، وَإِظهَارَ الفَرَحِ بِمَواسِمِ الطَّاعَةِ مِن شَعَائِرِ الدِّينِ، وَالمُؤمِنُ يَطلُبُ مَا يَجمَعُ وَلَا يُفَرِّقُ، وَمَا يُؤَلِّفُ وَلَا يُنَفِّرُ، وَمَا يَزِيدُ الخَيرَ فِي النَّاسِ وَلَا يَفتَحُ أَبوَابَ الشِّقَاقِ وَالجَدَلِ.

وَاللهُ أَعلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ.

شاهد أيضاً

وصفه ﷺ في التوراة

روى الترمذي في الشمائل عن كعب الأحبار رحمه الله أنه قال: «كنا نجد نعت رسول …